أسامة داود يفتح ملفات الكهرباء: محضران.. ومخالفة واحدة: كيف قفزت القيمة من 10 إلى 484 ألف جنيه؟

أسامة داود يفتح ملفات الكهرباء: محضران.. ومخالفة واحدة: كيف قفزت القيمة من 10 إلى 484 ألف جنيه؟

في ملف الكهرباء، لا تبدأ القصة دائمًا من سلكٍ مسروق… بل من رقمٍ مكتوب على ورقة.

أخطاء تقدير ... أم أزمة منظومة 

محضران عن نفس الواقعة بفارق 48 ضعف !

رقم قد يتحول، في لحظة، من تقدير فني إلى عبء مالي يُحاصر مواطنًا، ويطرح تساؤلات تتجاوز الواقعة ذاتها إلى طريقة إدارة المنظومة بالكامل.

نحن هنا لا نُصدر أحكامًا، ولا نُدين جهة بعينها، بل نضع أمام الرأي العام واقعة موثقة، بأرقامها وتواريخها، ونطرح السؤال الذي لا يمكن القفز عليه:

كيف تُقدَّر نفس المخالفة بقيمتين متناقضتين إلى هذا الحد؟

الواقعة بالأرقام

484 ألف جنيه… ثم 10 آلاف فقط!  ..فى  27 يناير 2026، حررت هندسة كهرباء مطوبس التابعة لشمال الدلتا لتوزيع الكهرباء  محضرًا حمل رقم 396727، بشأن سحب تيار كهربائي دون عداد.

القيمة التي انتهى إليها المحضر لم تكن مجرد تقدير… بل رقم صادم وهو 484 الف جنيه.

لكن بعد أقل من أسبوع، وتحديدًا في 5 فبراير 2026، حررت شرطة الكهرباء محضرًا آخر عن نفس الواقعة، لنفس المشترك، في نفس المكان، وبنفس القدرة، حمل رقم 400751.. لكن المفاجأة لم تكن في تكرار المحضر بل في الرقم او القيمة التي تم تحديدها طبقا للاستهلاك الفعلى والذى قدر بمبلغ 10 الاف جنيه فقط… شاملة الغرامات المقررة وفق القواعد.

ليصبح الفارق بين المحضرين 474 ألف جنيه… في واقعة واحدة!.

نحن لا نتحدث عن اختلاف تقدير بسيط بل عن فجوة تصل إلى 474 الف جنيه

أي أن أحد المحضرين يزيد عن الآخر بما يقارب 48 ضعفًا .. هنا، لا يصبح السؤال تقنيًا فقط بل قانونيًا ومنطقيًا.. أي الرقمين يعكس الحقيقة؟ وأي منهما يمثل التطبيق العادل للقواعد؟ وهل يمكن أن تكون هناك معايير مختلفة لتقدير نفس المخالفة؟

ما وراء الأرقام: هل هناك تسعير إداري للمخالفات؟ بعيدًا عن الواقعة الفردية، تتردد داخل بعض هندسات الكهرباء – وفق شكاوى متداولة – معلومات خطيرة مفادها أن  تقديرات بعض المحاضر التي تحرر من جانب هندسات الكهرباء التي اسند اليها الضبطية القضائية من سنوات قليلة تكون مرتفعة لا تستند فقط إلى الواقع الفني، بل إلى تعليمات تستهدف تعظيم الحصيلة المالية.. بينما المحاضر التي تحررها شرطة الكهرباء تتم وفقا لقواعد ولوائح معمول بها وخاضعة للقانون وليس للاجتهاد الشخصى وبناء على حجم الاعمال مضروباً في عدد اضعاف مضافاً اليه غرامات ومصروفات والتي وصلت في المحضر موضوع الواقعة الى 10 الاف جنيه فقط.

وإذا صحّ ذلك، فنحن لا نتحدث عن خطأ فردى.. بل عن منهج يقوم على تحميل المخالفات بقيم مرتفعة من جانب القائمين على الامر بهندسات الكهرباء التابعة للشركات وبهدف تعويض الفقد في الشبكة عبر المحاضر، استخدام التقدير المالي كأداة تحصيل لا كأداة عدالة

 الفقد في الشبكات… من يتحمله؟

المعروف فنيًا أن شبكات الكهرباء تعاني من نوعين من الفقد وهما فقد فني ناتج عن طبيعة الشبكة فقد تجاري نتيجة سرقات أو أخطاء محاسبية لكن السؤال الأخطرهل يُعالج هذا الفقد عبر تحسين الشبكة… أم عبر تحميله على المواطنين في صورة محاضر؟

عندما تتحول المحاضر إلى وسيلة لتحقيق توازن رقمي، فإننا نكون أمام خلل في جوهر الفكرة.

بين الردع… والجباية

لا خلاف على أن سرقة التيار جريمة، ويجب مواجهتها بحزم..لكن الفارق كبير بين الردع القانوني العادل والتقدير المالي المفتوح بلا معايير واضحة حين يصبح نفس الفعل يُقيَّم بـ10 آلاف مرة، و484 ألف مرة أخرى، فإننا لا نتحدث عن ردع…بل عن تقدير غير منضبط.

وهنا تظهر إشكالية أخطر غياب معيار موحد وشفاف لتسعير المخالفات

المواطن بين محضرين في هذه الحالة، المواطن لا يواجه اتهامًا فقط…

بل يواجه منظومتين مختلفتين ..جهة تُقدِّر المخالفة بمئات الآلاف

وجهة أخرى تُقدِّرها بعُشر هذا الرقم تقريبًا فإلى أيهما يلجأ؟

وأي رقم يُسدد؟ وأي جهة تمثل الحقيقة؟ هل تتحول الضبطية القضائية إلى سلطة تقدير مفتوحة؟ منح بعض العاملين في شركات الكهرباء صفة الضبطية القضائية كان هدفه تمكينهم من مواجهة المخالفات.

لكن السؤال الآن هل تحولت هذه الصفة إلى سلطة تقدير غير محدودة؟

عندما تُترك الأرقام بهذا الشكل، دون رقابة صارمة أو معايير مُلزمة، فإن الباب يُفتح أمام: تفاوت التقديرات و تضارب المحاضر وربما… إساءة الاستخدام

أين الرقابة؟

الواقعة المطروحة لا تحتاج إلى تحقيق معقد… بل إلى إجابة مباشرة:  من يحدد قيمة المخالفة؟ ، ما هي المعادلة الحسابية؟، ولماذا تختلف بين جهة وأخرى؟

وجود محضرين رسميين بهذه الفجوة، يعني أن هناك خللًا لا يمكن تجاهله.

ما الذي نطلبه؟، نحن لا ندافع عن مخالفة، ولا نبرر سرقة التيار..لكننا نطالب بأبسط قواعد العدالة وهى توحيد معايير احتساب المخالفات وإعلان آلية التسعير بشفافية وإخضاع المحاضر لمراجعة فنية مستقلة والفصل بين تحصيل الفقد وتحرير المخالفات.

 الخلاصة: القصة أكبر من رقم .. هذه الواقعة ليست استثناءً… بل مؤشرعلى خلل محتمل في منظومة كاملة .. ما بين 10 آلاف جنيه و484 ألفًا، لا يوجد فقط فرق في الحساب ، بل احتمال وجود فرق في الفلسفة.. هل الهدف هو ضبط المخالفات؟، أم تحقيق حصيلة؟.وإذا كانت هذه واقعة تكشف حجم التناقض.  

ففى الحلقة القادمة إن شاء الله … سوف نجيب بالوثائق عن السؤال الأهم هل نحن أمام أخطاء تقدير… أم أزمة منظومة؟